الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
263
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يكون غيره إلها مثله وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام وكانوا في عقائدهم أشتاتا فمنهم من يجعل الأصنام آلهة شركاء للّه ، ومنهم من يزعم أنه يعبدهم ليقربوه من اللّه زلفى ، ومنهم من يزعمهم شفعاء لهم عند اللّه . فلما نفي بهذه الآية أن يكون جعل آلهة يعبدون أبطل جميع هذه التمحّلات . وأجري آلِهَةً مجرى العقلاء فوصفوا بصيغة جمع العقلاء بقوله : يُعْبَدُونَ . ومثله كثير في القرآن جريا على ما غلب في لسان العرب إذ اعتقدوهم عقلاء عالمين . وقرأ ابن كثير والكسائي وسل بتخفيف الهمزة . [ 46 ، 47 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 46 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ( 47 ) قد ذكر اللّه في أول السورة قوله : وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نبيء فِي الْأَوَّلِينَ وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نبيء إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ [ الزخرف : 6 - 8 ] . وساق بعد ذلك تذكرة بإبراهيم عليه السلام مع قومه ، وما تفرع على ذلك من أحوال أهل الشرك فلما تقضّى أتبع بتنظير حال الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم مع طغاة قومه واستهزائهم بحال موسى مع فرعون وملئه ، فإنّ للمثل والنظائر شأنا في إبراز الحقائق وتصوير الحالين تصويرا يفضي إلى ترقب ما كان لإحدى الحالتين من عواقب أن تلحق أهل الحالة الأخرى ، فإن فرعون وملئه تلقّوا موسى بالإسراف في الكفر وبالاستهزاء به وباستضعافه إذ لم يكن ذا بذخة ولا محلّى بحلية الثراء وكانت مناسبة قوله وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [ الزخرف : 45 ] الآية هيّأت المقام لضرب المثل بحال بعض الرّسل الذين جاءوا بشريعة عظمى قبل الإسلام . والمقصود من هذه القصة هو قوله فيها فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [ الزخرف : 55 ، 56 ] ، فإن المراد بالآخرين المكذبون صناديد قريش . ومن المقصود منها بالخصوص هنا : قوله وَمَلَائِهِ أي عظماء قومه فإن ذلك شبيه بحال أبي جهل وأضرابه ، وقوله : فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ لأن حالهم في ذلك مشابه لحال قريش الذي أشار إليه قوله : وَكَمْ أَرْسَلْنا من نبيء فِي الْأَوَّلِينَ وَما يَأْتِيهِمْ من نبيء إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الزخرف : 6 ، 7 ] ، وقوله بعد ذلك أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [ الزخرف : 52 ] لأنهم أشبهوا بذلك حال أبي جهل ونحوه في قولهم :